شروط النكاح وأركانه - الحلقة الأولى : شروط النكاح .
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإنَّه قد يخفى على كثير من طلاب العلم وخاصة المبتدئ منهم شروط النكاح وأركانه ؛ لتقصير منه في العلم وطلبه ؛ أو لأنه لم يدُر بخلده أهمية مثل هذا الأمر خاصة وأنَّه ربما يقدم يوماً من الأيام على الزواج .
فتجده يتخبط في هذا الأمر إذا سئل أو نوقش فيه وقد لا يحصي منها إلا واحداً أو اثنين والباقي لا يعلمها .
وإليك أخي الكريم شروط النكاح مرتبة كما أحصاها أهل العلم :
أولاً : شروط النكاح وهي خمسة :
الشرط الأول : تعيين الزوجين ، لو خطب امرأة فأوجب له النكاح في غيرها ؛ فقبل يظنها مخطوبته ؛ لا يصح النكاح . فلو قال الوليُّ مثلاً : زوجتك ابنتي ؛ وله بناتٌ كثرٌ ؛ لم يصح النكاح حتى يشير إليها ؛ أو يسميها باسمها ؛ أو يصفها بصفة تتميز بها ؛ - مثلاً : القصيرة - الطويلة - الأولى - الثانية ، وهكذا . وإن لم يكن له إلاَّ بنتٌ واحدة صح قوله وصح النكاح بلا نزاعٌ فيه .
ولو عين الخاطب والولي في الباطن واحدة ؛ وعقدا عليها العقد باسم غير متميز ، نحو أن يقول : ( بنتي ) وله بناتٌ كثرٌ ؛ أو يسميها في الظاهر باسم وينويها في الباطن غير مسماة ، ففي صحته قولان :
الأول : صحته ؛ وهذا اختيار القاضي في موضع .
الثاني : البطلان ؛ وهو اختيار أبو الخطاب ، والقاضي أيضاً في موضع آخر . ومأخذ القاضي : أنَّ النكاح يشترط له الشهادة ، والنية يتعذر الإشهاد عليها .
وعن أبي حفصٍ العكبري : إن كانت المسماة غلطاً مزوجة لم يحل نكاحها ولم يصح النكاح . وإن كانت غير مزوجة صح نكاحها .
الشرط الثاني : رضا الزوجين ، فإن كانا غير راضيين لم يصحَّ النكاح . وللأب أن يُزَوِّجَ أبناءه الصغار والمجانين ، وبناته الأبكار بغير إذنهم .
وقد ذكر الفقهاء أنَّ في تزويج الأب أبناءه الصغار عشر مسائل ، كالتالي :
الأولى : الذكور العقلاء من أولاده الذين هم دون البلوغ ؛ والكبار المجانين ؛ فله تزويجهم ، سواء أذنوا أم لا ، وسواء رضوا أم لا ، بمهر المثل أو زيادة عليه ، على ما صحَّ من مذهب أحمد وما عليه جماهير الأصحاب . ولا يصح إجبار المراهق العاقل .
وفي هذه المسألة استطراد ليس هذا محل بسطه .
الثانية : الذكور العقلاء البالغين من أولاده ليس له تزويجهم بغير إذنهم بدون نزاع ، وأما إن كان سفيها ففي إجباره وجهان ، والأولى الإجبار إن كان أصلح له وأقوم لحاله .
الثالثة : في ابنته البكر ؛ التي هي دون تسع سنين ، فله تزويجها دون إذنها ورضاها بدون نزاع فيه . وقد حكاه ابن المنذر إجماعاً .
الرابعة : في البكر التي لها تسع سنين فأكثر ؛ إلى ما قبل البلوغ ، وهذه كذلك له أن يزوجها دون إذنها . وهو الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب . وقطع به الخرقي وابن قدامة في العمدة وقدمه في المغني والشرح وقال : هذا المشهور .
وعن أحمد أنه لا يجوز تزويج ابنة تسع سنين إلاَّ بإذنها . قال الزركشي : هي أظهر . وقال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد : هي الأقوى .
الخامسة : البكر البالغة ؛ له إجبارها أيضاً ، على الصحيح من المذهب مطلقاً . وعليه جماهير الأصحاب الأصحاب ؛ منهم الخرقي ، والقاضي ، وابنه الحسين ، وأبو الخطاب في خلافه ، والشريف ، وابن البنا .
وعلى المذهب يستحب إذنها وإذن أمها . والصحيح إذنها ، وإذنها صماتها .
السادسة : البكر المجنونة ، له إجبارها مطلقاً وهو الصحيح من المذهب ، وعليه الأصحاب .
السابعة : الثيب المجنونة الكبيرة ، له إجبارها ، على الصحيح من المذهب .
الثامنة : الثيب العاقلة ، التي لها دون تسع سنين ، له إجبارها ، على الصحيح من المذهب . وقطع به كثير من الأصحاب . منهم صاحب الانتصار ، والمحرر ، والرعاية ، وقدمه في الفروع .
التاسعة : الثيب العاقلة التي لها تسع سنين فأكثر ؛ ولم تبلغ ، ففي إجبارها وجهان ، وهما كذلك عند الأكثرين .
وعند أبي الخطاب في الانتصار ، والمجد ، ومن تابعهما : روايتان .
وأطلقهما في الهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والمغني ، والبلغة ، والمحرر ، والشرح ، والقواعد الأصولية .
أحدهما : ليس له إجبارها . وهو المذهب ، وعليه جماهير الأصحاب .
منهم : ابن بطة ، وصاحبه أبو جعفر ابن مسلم ، وابن حامد ، والقاضي ، والشريف ، وأبو الخطاب ، وابن عقيل ، والشيرازي ، والمرداوي ، وغيرهم . وهو ظاهر كلام الخرقي .
وجزم به في الوجيز .
وقدمه في الرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفروع ، والفائق ، وغيرهم .
وعنه : له إجبارها . اختاره أبو بكر . وقدمه في النظم ، والرعاية الصغرى ، والفائق .
العاشرة : الثيب البالغة العاقلة ، ليس له إجبارها بلا نزاع .
وتحت هذا الشرط أقوال ومذاهب وتفريعات يطول المقام بسردها ، اكتفيتُ بسوق هذه المسائل العشر مختصرة .
الشرط الثالث : الولي ، فلا نكاح إلَّا بوليٍّ . وهذا الشرط اختلف فيه الفقهاء كثيراً ؛ حول صحة نكاحها بدون إذن وليها من عدمه . وترتيب الأولياء في النكاح ؛ وهذه المسألة عقلت فيها قولاً عن شيخي الشيخ زيد رحمه الله أن ترتيب الأولياء في النكاح كترتيب العصبة في الميراث .
وكذلك من المسائل التي تدخل ضمن هذا المبحث الشروط التي تشترط في الولي ؛ ومنها العدالة والبلوغ والرشد .
وكذلك من المسائل المندرجة تحت مبحث الولاية في النكاح ؛ أن الولاية لا تزول بإغماء أو عمى ونحوه . ومن مسائل الولاية في النكاح كذلك ؛ أنَّه لو عضل الولي الأقرب موليته زوجها الأبعد . وكذلك يصح للولي الأبعد تزويجها في حال غاب الولي الأقرب غيبة منقطة . والغيبة المنقطعة هي ما لا يقطع إلَّا بكلفة ومشقة . وأنَّه إذا زوج الأبعد من غير عذرٍ للأقرب لم يصح النكاح .
وكذلك من المسائل التي تدخل في مبحث الولاية في النكاح ؛ أنَّ الكافر ليس له ولاية على المسلمة بحال من الأحوال .
ومن مسائل الولاية في النكاح ؛ مسألة الوكيل عن الولي فيشترط فيه ما يشترط في الولي تماماً . وأنَّه يثبت له ما يثبت للموكل . وأنَّه يقوم مقام الموكل وإن كان الموكل حاضراً .
وكذلك إذا شرطت المولية على وليها أو وكيله المطلق الكفاءة ؛ فعليهما التقيد بالكفء . وكذلك الوصي بمنزلة الولي في النكاح .
وإذا تساوى الأولياء في الدرجة ، صح التزويج من كل واحد منهم ، إلَّا أنَّه يقدم أتقاهم ، ثم أسنهم . وإن تشاحوا أقرع بينهم . وإن زوَّجَ اثنان ولم يعلم السابق فسخ النكاحان في إحدى الروايتين عن أحمد وهي المذهب . جزم به الخرقي ، وصاحب الوجيز ، والمنور ، وغيرهم .
وقدمه في الخلاصة ، والشرح ، والمحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفروع ، وغيرهم .
واختاره أبو بكر في خلافه ، وابن قدامة في المغني . فلحاكم فسح العقدين على الصحيح من المذهب .
الشرط الرابع : الشهادة ، وداعي الشهادة في النكاح احتياطاً للنسب خوف الإنكار . فلا ينعقد النكاح إلَّا بشاهدين ذكرين عدلين بالغين عاقلين ، وإن كانا ضريرين . وهذا هو المذهب ، وعليه الأصحاب .
وجاء أنَّ الشهادة ليست من شروط النكاح . ذكرها أبو بكر في المقنع ، وأطلقها أكثرهم .
واحتمال إرادة العدالة ظاهراً لا باطناً ، هذا هو المذهب . وهل تقبل شهادة مستوريْ الحال ؟ ، ظاهر المذهب وما عليه الأصحاب أنها تقبل في النكاح دون الأموال .
قال الزركشي وهو المشهور من الوجهين . وقال ابن رزين : ويصح من مستور الحال رواية واحدة ، لأنَّ الأصل العدالة . وصححه في البلغة .
وهل إذا تاب الشاهدان أو أحدهما في مجلس العقد كانا كمستوريْ الحال ؟ ؛ قاله في الترغيب . فعلى المذهب : لو عقد بمستورَيْ الحال ؛ ثم تبين بعد العقد أنَّهما كانا فاسقين حالة العقد ، فقال القاضي ، وابن عقيل : تبين أنَّ النكاح لم ينعقد .
وقال ابن قدامة : ينعقد ؛ لوجود شرط النكاح ظاهراً .
وقال ابن البنا : ولا يكفي في إثبات العقد عند الحاكم إلَّا من عُرِفَتْ عدالته ظاهراً وباطناً .
ولا ينعقد نكاح مسلم بشهادة ذِمِّيَّيْن ، وهو المذهب المنصوص عليه عند أحمد ، المشهور عند الأصحاب ، واختاره جماهيرهم .
وهل ينعقد بحضور عَدُوَّيْنِ ، أو ابْنَيِ الزوجين ؟ ، على وجهين :
أحدهما : ينعقد بحضور عدوين ، وهو المذهب . اختاره ابن بطة ، وابن عبدوس في تذكرته . وصححه في التصحيح . وجزم به في الوجيز ، ومنتخب الأدمي . قال في تجريد العناية : لا ينعقد في رواية .
والثاني : لا ينعقد بحضور عَدُوَّيْن .
وأمَّا عدم انعقاده بحضور ابْنَي الزوجين أو أحدهما ، فهو المذهب . صححه في التصحيح ، وجزم به في الوجيز ، وقدمه في المحرر ، والنظم ، والخلاصة ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، وغيرهم . في كتاب الشهادات .
وصححه في الهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، وغيرهم هناك .
والثاني : ينعقد بهما وبأحدهما . اختاره ابن بطة ، وابن عبدوس في تذكرته ، والأدمي في منتخبه .
قال في تجريد العناية : لا ينعقد في رواية .
قال في الفروع : وفي شهادة عَدُوَّي الزوجين ، أو أحدهما ، أو الولي : وجهان . وفي مُتَّهَمٍ لرحمٍ : روايتان .
الشرط الخامس : كون الخاطب كفؤاً للمخطوبة ، وكما قيل العرب بعضهم أكفاء بعضٍ . وهو في إحدى الروايتين .
وأطلقهما في الهداية ، والمستوعب ، والبلغة ، والشرح .
إحداهما : هي شرط لصحة النكاح . وهي المذهب عند أكثر المتقدمين .
قال الزركشي : هذا المنصوص المشهور ، والمختار لعامة الأصحاب من الروايتين وصححه في المذهب ، ومسبوك الذهب ، والخلاصة .
قال ابن منجا في شرحه : هذا المذهب ، وقطع به الخرقي .
وقدمه في الهادي ، والرعايتين ، والحاوي الصغير . وهو من مفردات المذهب .
وعنه - أي أحمد - ليست بشرط - يعني للصحة - بل شرطٌ في اللزوم .
قال ابن قدامة : وهي أصحُ ، وهو المذهب عند أكثر المتأخرين .
واختاره أبو الخطاب - في خلافه - وابن قدامة ، وابن عبدوس في تذكرته ، وصححه في النظم ، وجزم به في العمدة ، والوجيز ، والمنور .
قال في الرعايتين : وهو أولى ، للآثار . وقدمه في المحرر ، والفروع .
وهو الصواب الذي لا يعدل عنه .
فعلى الأولى : فالكفاءة حقٌ لله تعالى . وللمرأة والأولياء . وعلى الثانية : حق للمرأة والأولياء .
هذا ما انتيهت إلى تحريره مختصراً بتصرفي من الإنصاف في كتاب النكاح من شروطه .
وإنما الكفاءة مما هو معلوم عند القرون المفضلة في الدين فالحرية ، فلو تزوجت كافراً لم يصح نكاحها ، ولو تزوجت مولى صَحَّ نكاحها ، ولو تزوجت عبداً لم يصحَّ . فقد أخرج البخاري في النكاح باب الأكفاء في الدين حديث ضباعة بنت الزبير عمة رسول الله صلى الله عليهو سلم لما دخلت عليه وقالت : يا رسول إني نويت الحج وإني أجدني شاكية ، الحديث . فقد لاحظ البخاري رحمه الله أنَّ ضباعة بنت الزبير وهي قرشية هاشمية كانت تحت المقداد بن الأسود وهو مولى ، وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاحهما ولم يفسخ عقدهما بحجة عدم التكافئ .
والله أسأل أن ينفع بها ، ولنا لقاء قريب في الحلقة الثانية إن شاء الله تعالى مع أركانه . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتبه أخوكم
أبو حمود هادي بن قادري بن حسين محجب
بعد ظهر يوم الثلاثاء الموافق 15 / 3 / 1436هـ
| روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق | |
| URL | |
| HTML | |
| BBCode | |














0 التعليقات: