بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله؛ والصلاة والسلام على رسول الله؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذه سلسلة شروح لكتاب الصيام من متن عمدة الفقه.
مجموع الشروح
تابع القراءه »
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله؛ والصلاة والسلام على رسول الله؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذه سلسلة شروح لكتاب الصيام من متن عمدة الفقه.
مجموع الشروح
⦕يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢⦖(١)، ⦕يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءًۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبًا ١⦖(٢)، ⦕يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلًا سَدِيدًا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١⦖(٣)، أمَّا بعد:
فإنَّ أصدَقَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار .
لمَّا كان الدين مبنيّاً على التيسير والتسهيل؛ والرأفة بالعباد في عباداتهم، أنزل الله ذلك في كتابه مجملاً فقال جلَّ من قائل: ⦕مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ⦖(٤)، وقال: ⦕وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ⦖(٥)، وفصَّلَ ذلك في صحيح سنة نبيه صلى الله عليه وسلَّم. ولا بدَّ وأنَّ أكثرَ طلاب العلم يعرفون القاعدة الفقهية الشهيرة؛ قاعدة:
( المشقة تجلب التيسير )
هذه القاعدة من أشهر قواعد الفقه عند أهل السنة والجماعة في مذاهبهم الأربعة. وبرغم أنَّ لها قواعد فرعية تندرج تحتها، إلَّا أنَّه قليلٌ من طلاب العلم المبتدئين من يعلم أنَّ التيسير له صورٌ بحسب أنواعه، وأنَّ لهذا التيسير الطارئ أنواعٌ من المشاقُّ تجلبه، وليس مجرَّدُ المشقة والتيسير فقط.
فدعونا أولاً نستعرض تعريف القواعد لغة واصطلاحاً. ثم تعريف القواعد الفقهية باعتبار هذين اللفظين علماً على علم قواعد الفقه.
فالقاعدة جمع قاعدة، وهي في اللغة معناها أصل الأس. ومنها قول الله تبارك وتعالى: ⦕وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧⦖(٦). واصطلاحاً: هي قضيةٌ كليةٌ منطبقة على جزئياتها. وما شذَّ منها فلا حكم له معتبر. والفقهية نسبة إلى الفقه.
وأمَّا تعريف مفردي (القواعد) و (الفقهية) باعتباره علماً لعلم قواعد الفقه فهو حكمٌ شرعي في قضية أغلبية يتعرف منها أحكامُ ما اندرج تحتها.
والملاحظ على أكثر الفقهاء اعتبارهم القاعدة قضية أغلبية. والذي يرجح هو كونها أمراً كلياً. والذي يظهر أنَّ سبب تعبيرهم عنها بالقضية لكونها أخذت من القضاء الذي هو الحكم والفصل، وثانياً هو كون حكمها ينطبق على جميع أفرادها المندرجة تحتها.
هل القاعدة أغلبية أم كلية؟.
واختلفوا في كونها أغلبية أم كلية، وذلك راجع إلى أمرين:
الأول: أنَّ من نظر إلى القاعدة باعتبار وجود استثناءات بها؛ فهذا حكم بأغلبيتها.
الثاني: أنَّ من رأى عدم تأثير الاستثناءات في كلية القاعدة الفقهية؛ حكم بكلِّيَتِها.
والراجح في في هذا هو كلية القاعدة، وذلك لأمور:
أولاً: إخراج الأحكام الجزئية بمسألة معينة، إذ أنَّها ليست من القواعد الفقهية.
ثانياً: أنَّ لفظ (القاعدة) بحد ذاته كليٌّ. وأمَّا اعتبار الأغلبية أو الأكثرية هو راجع إلى الجزئيات الداخلة في القاعدة.
ثالثاً: اعتبار ما خرج عن القاعدة أمرٌ نادرٌ أو شاذٌ لا حكم له.
رابعاً: كون المعتبر في عموم القاعدة هو العموم العادي لا العقلي(٧).
ثُمَّ تعريف المشقة والمراد بها وصورها.
فالمشقة لغة: معناها العناء والصعوبة. وأمَّا عند الفقهاء فإنَّها ليست مجرَّدُ المشقة وحسب. وإنَّما المراد بها المشقة المقيدة بشروط، وهو تجاوز الحدود العادية، والتي تعيق العبد عن المداومة على العمل. أمَّا المشقة المعتادة فهذه غير معتبرة شرعاً.
أنواع المشقة وصورها :
المشاقُّ على نوعين:
النوع الأول: مشقة لا تنفك عنها العبادة، كمشقة الوضوء والاغتسال لصلاة الفجر في البرد الشديد. وإقامة الصلاة في السير الطويل في الحر والبرد. ومشقة الصوم في شدة الحر وطول نهار. ومشقة السفر للحج أو الجهاد. ومشقة طلب العلم والرحلة في طلبه. ومشقة إقامة الحدود بالنسبة للأقارب.
فمثل هذه المشاقِّ لا اعتبار لها في إسقاط التكاليف أو تخفيفها، والسبب أنَّها لو اعتبرت شرعاً من المشاق الجالبة للتيسير لفاتت المصالح المترتبة على العبادات في أغلب أوقاتها(٨).
النوع الثاني: مشقة تنفك عنها العبادة غالباً. وهذه على أنواع:
النوع الأول: المشاقُّ العظيمة، كالخوف على النفوس أو الأطراف ومنافعها من التلف، فهذه موجبة للتخفيف والترخيص، لأنَّ حفظها لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للتلف مع عبادة واحدة. وما كان فوق إطاقة المكلفين فإنَّه يسقط ولا شك؛ لقوله تعالى: ⦕لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ⦖(٩)، وهنا الشرع يراعي مصلحة المحافظة ومصلحة المداومة.
النوع الثاني: مشقةٌ خفيفة، كأقلِّ صداعٍ أو وجعٍ أو تقلًّبِ مزاجٍ، فمثل هذه لا يُنظر إليها ولا يؤبه بها ويكون تحصيل مصلحة العبادة أولى.
النوع الثالث: مشقة واقعة بين هاتين المشقتين مختلفة في الخفة والشدة، فما كان منها أقرب إلى المشقة العظيمة فرض التخفيف. وما كان منها أقرب إلى المشقة الخفيفة لم يفرض التخفيف.
وهذه حسب ما يرى أهل الاختصاص كالأطباء، فرجل عمل عملية جراحية في رأسه أو وجهه كالعينين مثلاً؛ ثم أخبره الطبيب بأن السجود خلال فترة النقاهة يؤدي إلى مضاعفات. فهذا يترك السجود الفعلي ويكتفي بالإيماء.
أو امرأة حامل أخبرتها الطبيبة أنَّ الوقوف في الصلاة قد يضاعف نسبة الإسقاط. فهي تكتفي بالجلوس إلى أن يثبت حملها بأمر الله تبارك وتعالى.
وهناك مشاق بينهما أيضاً ولكنها لا تقترب من إحداهما وهذه قد يتوقف فيها.
وأمَّا الجلب فمعناه لغة: الإتيان بالشيء.
وأمَّا التيسير فمعناه لغة: التسهيل.
( أنواع التيسير )
والتسهيل فيما اقتضته الحكمة الإلهية فعلاً أو تركاً هو على نوعين:
الأول: تسهيلٌ بالإسقاط كلية، كإسقاط الوقوف في الصلاة عند عدم القدرة عليه.
الثاني: تيسير بالتخفيف، كقصر الصلاة في السفر، وإسقاط الترتيب في أعمال يوم النحر.
وهناك أنواعٌ من تيسير التخفيف؛ مثل أعذار الجمعة والجماعة، وتعجيل الزكاة قبل الحول، والتخفيف في العبادات، والمعاملات، والمناكحات، والجنايات(١٠).
( أسباب التيسير )
وأسباب التيسير أو التخفيف تكاد تكون محصورة فيما يلي:
أولاً: السفر.
ثانياً: المرض.
ثالثاً: الإكراه.
رابعاً: النسيان.
خامساً: الجهل.
سادساً: العسر وعموم البلوى.
سابعاً: النقص.
( القواعد الفرعية المندرجة تحتها )
وهذه القاعدة الأصلية من قواعد الفقه تندرج تحتها قواعد فرعية:
١. الضرورات تبيح المحظورات، كأكل الميتة عند خوف الهلكة على النفس فيما يبقيها حية وقت الانقطاع من الزاد والماء أو وقت المجاعات الشديدة. وكذلك قتل الحيوان المملوك إذا هجم ولم يندفع هجومه إلا بالقتل.
٢. الضرورات تقدر بقدرها، كما لو لم تجد المريضة إلَّا طبيباً يكشف عليها واحتاجت إلى مسِّها أو الكشف عن عورتها فإنَّها تكشف عن عورتها بالقدر الذي يمكن الطبيب من التشخيص ولا تزيد عليه.
٣. إذا ضاق الأمر اتسع، مثل سقوط وجوب صلاة الجماعة عن أصحاب الأعذار، كمسافر خشي فوات رحلته وقت حضور الصلاة، أو المريض الذي يشق عليه الحضور إلى المسجد.
٤. لا واجب مع العجز، كمن قطعت أحد أطرافه، سقط عنه وجوب غسلها لغسل أو وضوء. أو كمن لم يجد الزاد والراحلة أو النفقة؛ سقط عنه وجوب الحج.
٥. الميسور لا يسقط بالمعسور، كمن عجز عن غسل يده أو مسحها، فإنَّه يغسل بقية الأعضاء، ويتيمم ليده، ولا يعمم جميع الأعضاء بالتيمم. أو كمن عجز عن الركوع وكان قادراً على القيام، صلى قائماً وأومأ بالركوع، ولا يصلي جالساً.
هذا؛ وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد؛ وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه فقير عفو ربه
أبو حمود هادي محجب
السبت ٣٠ / جمادى الأولى / ١٤٤٤هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) [آل عمران:١٠٢].
(٢) [النساء:١].
(٣) [٧٠-٧١].
(٤) [المائدة:٦].
(٥) [الحج:٧٨].
(٦) [البقرة:١٢٧].
(٧) انظر الموافقات للشاطبي.
(٨) انظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص٨٠-٨١. والأشباه والنظائر لابن نجيم ص٩٠-٩١.
(٩) [البقرة:٢٨٦].
(١٠) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٨٠-٨١. والأشباه والنظائر لابن نجيم ص٩٠-٩١.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك
على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
فكثيراً ما نسمع عن القواعد الفقهية والقواعد
الأصولية، ولكن هل عرفنا الفرق بينهما ؟!.
فالفرق بين القاعدة الفقهية ولقاعدة الأصولية
من وجوه.
أولاً: أنَّ القاعدة الفقهية أغلبية، بمعنى
أنَّها حكمٌ أغلبي. يعني تدخل بها معظم الأمور.
أمَّا القاعدة الأصولية فإنَّها حكمٌ
كلِّيٌّ، قاعدة كليَّةٌ، يعني أنَّ جميع الصور تدخل تحتها.
فمثلاً: قاعدة ( النهيُ يقتضي الفساد )؛ هذه
قاعدة أصولية تشمل جميع صورها.
أمَّا القاعدة الفقهية فقد يتخَلَّفُ عنها
بعض الصور.
ثانياً: أنَّ القاعدة الأصولية عامة في جميع
الشريعة، بمعنى أنَّها تكون شاملة لأمور العمليات، وأمور الاعتقادات.
وأمَّا القاعدة الفقهية فهي خاصة بالفقه فقط.
ثالثاً: أنَّ القاعدة الفقهية تُعنى ببيان
أحكام الشريعة وعللها وأسرارها. وأمَّا القاعدة الأصولية فهي تدور بين الدليل
وبين الحكم ولا تتعداهما.
رابعاً: تعتبر القواعد الأصولية وسيلة
لاستخلاص الحكم الشرعي العملي. أمَّا القواعد الفقهية فهي عبارة عن مجموعة من
الأحكام الشرعية المتشابهة اجتمعت تحت مظلة العلة الواحدة.
خامساً: تقدم القاعدة الأصولية على القاعدة
الفقهية في الوجود الذهني، لاقتضاء وجودها ذهناً ووقوعاً قبل الفرع.
سادساً: اتفاق القاعدة الأصولية والقاعدة
الفقهية في أنَّ كلاًّ منهما يندرج تحته جزئيات. ويختلفان في كون القاعدة الأصولية
هي عبارة عن مسائل تشملها أنواعٌ من الأدلة التفصيلية يمكن استنباط الأحكام منها.
وأمَّا القاعدة الفقهية فعبارة عن المسائل التي تندرج الأحكام الفقهية تحتها.
وهناك من أهل العلم من لا يرى فرقاً بينهما.
كابن السبكي في كتابه ( الأشباه والنظائر ). وأفضل ما كُتِبَ في هذا الشأن هو كتاب (
أنوار البروق في أنواء الفروق ) للقرافي.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على
نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله؛ نَحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبده ورسوله، صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
]يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم
مُّسۡلِمُونَ ١٠٢[(١)، ]يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ
رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ
ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ
رَقِيبٗا ١[(٢)، ]يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ
أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ
فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١[(٣)، أما بعد:
فهذه بعض الآداب الشرعية في ذبح الأضاحي، وهي ما يذبح في يوم الأضحى أو أيام التشريق من
إبل أو بقر أو غنم، تقرباً إلى الله تبارك
وتعالى.
وحكمها -أي الأضحية- أنها سنة مؤكدة في حق
القادر عليها من المسلمين لقوله تبارك
وتعالى: ]فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ[(٤)، ووقتها من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس آخر يوم من أيام التشريق.
فمن ذبح قبل هذا الوقت عالماً أو جاهلاً فلا تجزئه،
لقول النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل -الذي أخبره أنه ذبح
قبل صلاة العيد وهو أبو بردة خالٌ للبراء بن عازب رضي الله عنه- [شاتك شاة لحم](٥)، أي أنها لا تجزئه عن الأضحية.
ويستحب لمن ذبح أضحيته أن يأكل منها ويهدي منها ويتصدق
على الفقراء، فللأضحية من الفضل الشيء العظيم، فهي قربة إلى الله تبارك وتعالى، وتوسعة
على الأهل، ومنفعة للفقراء، وصلة للرحم، وإحسان
إلى الجيران.
وللأضاحي سنٌ معتبرة في الشرع لابد من مراعاتها،
فمن الإبل لا يُجزئ إلَّا ما كان ثنياً؛ أي تمَّ له من العمر خمسُ سنوات فأكثر. ومن
البقر ما كان ثنياً تمَّ له سنتان فأكثر. ومن الضأن جذعٌ له ستة أشهر فأكثر. ومن المعز ثنيٌّ له سنة فأكثر.
وإذا تعينت الأضحية فلا يجوز له أن يبيعها، ولا
أن يهبها، ولا أن يبدلها إلَّا بخيرٍ منها.
كما يجب أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام، وأن
تبلغ السنَّ المعتبرة شرعاً، وأن تكون خالية وسليمة من العيوب، فلا تقبل العوراء
البين عورها، ولا العرجاء البين عرجها ونحو ذلك من العيوب التي تكون مانعا من
قبولها، لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه المخرج عند أبي داود والنسائي واللفظ
له، أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [أربعٌ لا تَجوز في الأضاحي، العوراء البين عورها، والمريضة البين
مرضها، والعرجاء البيِّنُ ظَلْعُهَا، والكسير التي لا تُنقي ](٦). ومن علم بمرضها بعد الذبح لم
تجزئه لفوات المقصود منها.
وأفضلها أسمنها وأغلاها وأنفسها عند أهلها.
ومقطوعة الإلية أو بعضها، ومجبوبة السنام، والعمياء، ومقطوعة الساق؛ كلها لا تجزئ في الأضاحي.
وتجزئُ الشاة عن واحد، والبدنة عن سبعة، والبقرة
عن سبعة. ويجوز أن يضحي بشاة أو بدنة أو بقرة عنه وعن أهل بيته الأحياء والأموات.
ويستحب الأضحية بأكثر من واحدة لمن وسع الله عليه
في المال.
وتسن الأضحية عن الحي، كما تجوز عن الميت تبعاً
لا استقلالاً إلَّا من أوصى بذلك.
ويحرم على المضحي أن يأخذ من شعره أو بشرته أو أظفاره
شيئاً في العشر الأول من ذي الحجة، فإن وقع في شيء من ذلك استغفر الله ولا فدية عليه،
لحديث أم سلمة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي
، فلا يمسُّ من شعره وبشره شيئاً](٧).
ويسن لمن أراد مباشرة الذبح بيده أن يقول عند الذبح:
[بسم الله والله أكبر، اللهم تقبل مني، اللهم هذا عني وعن أهل بيتي].
ومن الآداب الشرعية في ذبح الأضحية أن يكون محسناً للذبح، محدّاً لشفرته أو سكينه عالماً بكيفية الذبح.
يقول صلى الله عليه وسلم: [وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته](٨). ففي قوله هذا صلى الله عليه وسلم كثير من الآداب الشرعية تتلخص في التالي:
أولاً: يحرم على من لا يحسن الذبح أن يذبح أضحيته بنفسه؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى قد كتب الإحسان على كل شيء.
ثانياً: وجب على من أراد مباشرة ذبح الأضحية أن يحدَّ شفرته أو سكينه لأنَّ
هذا يكون أمضى في الذبح وبالتالي فيه إراحة للذبيحة.
ثالثاً: ألَّا يقوم بتحديد آلة الذبح مباشرة أمام الأضحية لكون ذلك في من الإيذاء لها بالترويع والإخافة.
رابعاً: ألَّا يقوم بذبحها أمام بقية الأضاحي بل يكون في معزل عن بقية الأضاحي بحيث لا يذبحها وبقية الأضاحي
تنظر إليها.
فالسنة أن تنحر الإبل نحراً وهي قائمة معقولة يدها
اليسرى حتى إذا وجبت -أي سقطت- فعلى جنوبها؛ كما قال تبارك وتعالى: ]وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِن شَعَائِرِ ٱللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا
وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنهَا وَأَطْعِمُواْ
ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ[(٩).
وأما البقر والغنم والمعز فالسنة فيها الذبح
وجوَّزَ بعضهم العكس وهذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
فالنحر للإبل يكون من أسفل الرقبة من جهة الصدر،
وأمَّا الذبح للبقر والغنم والمعز فيكون أعلى الرقبة من جهة الرأس يضجعها على جنبها
الأيسر ويضع رجله اليمنى على رقبتها ثم يُمسك برأسها ويذبح قائلاً الدعاء المأثور،
ولا تحل الأضحية إلَّا بقطع مجرى المأكل والمشرب وهو المريء، ومجرى النفس وهو الحلقوم، ووريدي الدم وهما الودجين أو أحدهما،
وإهراق الدم.
لحديث أنس رضي الله عنه؛ المتفق عليه قال: [ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى
وكبر، ووضع رجله على صفاحهما].
فإن لم يحسن الذبح استأجر جزاراً فيذبح له بحضوره،
ولا يجوز له أن يُعطي الجزار منها أجرته، ويسمي من هي له أو عنه عند الذبح.
وأخيراً فإني أسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد؛ وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
أبو حمود هادي محجب
الثلاثاء ٢٧ / ١١ / ١٤٣٧هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) [آل عمران:١٠٢].
(٢) [النساء:١].
(٣) [الأحزاب:٧٠-٧١].
(٤) [الكوثر:٢].
(٥) أخرجه البخاري في الأضاحي باب قول النبي لأبي بردة ضح بالجذع من المعز ولن تجزي عن أحد بعدك، برقم (٥٥٥٦).
(٦) أخرجه أبو داود في الضحايا باب ما يُكره من الضحايا برم (٢٨٠٢)، وصححه الألباني. كما أخرجه الترمذي والنسائي في الصغرى وابن
ماجه والدارمي
ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في المستدرك.
(٧) أخرجه مسلم برقم (١٩٧٧).
(٨) أخرجه مسلم في الصيد والذبائح باب الأمر بإحسان الذبح والقتل
وتحديد الشفرة برقم (١٩٥٥).
(٩) [الحج:٣٦].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالةإلى إيران وأذنابها الصفويين المغفلين في كل أرجاء الأرض من حاول أن يبتلي صبرنا فلن يلقى إلا عواصف الحزم إن شاءالله pic.twitter.com/wWHqbn1jRj
— مكتبةأبي حمودالعلمية (@abuhamodlibrary) يناير 5, 2016
