مكتبة أبي حمود العلمية
أخبار المكتبة
Loading...
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرقائق والمواعظ. إظهار كافة الرسائل

لا يزكي العبد إلَّا منهجه . . .

0 التعليقات

 بسم الله الرحمن الرحيم 

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :

    اعلموا أيها الإخوة أنَّ تزكية أهل العلم لأحد ما؛ ليست معياراً أو مقياساً على صلاحه أو صلاح منهجه، بل الله يزكي من يشاء، فاستقامة العبد على السنة وصلاح منهجه ونشره للعلم ونشره للسنة والدفاع عنها هو من يزكيه؛ وأنَّه لا يزكي العبد إلَّا منهجه.

    وإنَّما يزكيه أهل العلم وفق ما ظهر منه من صلاح.

    واعلموا أنَّ هذه التزكية ليست عصمة له من الخطأ ولا من الإنحراف وفساد المنهج. وعصرنا هذا خير شاهد على هذا.

    فكم من طلبة علم كنا نسمع عن تزكية العلماء لهم وتصديرهم لهم في المجالس لأنَّهم كانوا يحسنون بهم الظن، وما هي إلا سنوات وتخطفتهم الدنيا وتخطفتهم الشبه، وغرتهم المناصب، واجتالتهم شياطين الإنس، فأصبحوا أهل بدع وتحزبات، بعد أن كانوا رؤوساً في السنة بين طلبة العلم.

    فالحاصل أيها الإخوة بارك الله فيكم أنه ينبغي على المسلم أن يحرص هو على تزكية نفسه بتوحيد ربه واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وألَّا يحرص إلا على ما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته.

    فإن زكاك الخلق بعد ذلك فهي تحصيل حاصل بالنسبة إلى تزكية الله لك.

    فاحرص على العلم والعمل والدعوة والصبر، فإنَّ هذه الأربع هي عنوان الفلاح وسماته في الدنيا والآخرة، واستعن بالله وتوكل عليه، واسأل الله الثبات على الحق حتى يأتيك منه اليقين.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


كتبه راجي عفو ربه

أبو حمود هادي محجب

الخميس ٢٤ / ٩ / ١٤٤٢هـ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








تابع القراءه »

العلم الشرعي وأثره في حياة سلفنا الصالح . . .

0 التعليقات
بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أمَّا بعد :
    لا شكَّ أنَّ جميع طلاب العلم أو أكثرهم على يقين أنَّ سلفنا الصالح - رحمهم الله - ما سادوا الدنيا بأسرها بكثرة مالٍ أو سلطةٍ أو جاه ، وإنَّما سادوها بقربهم من مولاهم وخالقهم ، وصدق سريرتهم وطهارة علانيتهم ، وسمو أخلاقهم وحسن تعاملهم مع مولاهم ؛ ثمَّ مع سائر الخلق ، وما ذلك إلَّا لانعكاس التحصيل العلمي في واقع حياتهم العملية ، فقد علموا وعملوا بصدقٍ خالص مع الله تبارك وتعالى ؛ ثمَّ مع عباد الله تبارك وتعالى ، فكانت لهم الريادة والرفعة من الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة ، فشاع صيتهم في الآفاق ، بجميل الخصال وصالح الأخلاق ، فباتوا في الدنيا أسياداً ؛ لا بكثرة مالٍ ، ولا بقوة جاه ، ولا بسلطان دنيا أبداً ، وإنَّما ذلك سلطان العلم الذي عملوا به فرفعهم الله به وأعلى شأنَهم على سلاطين الأرض .
    فاعلم أخي الكريم ؛ "أنَّ سلفنا الصالح - رحمهم الله - كانوا يستقبلون البلايا بالصبر الجميل ؛ لعلمهم أنَّها بتقديرِ وتصريفِ الحكيم الخبير ، وكانوا دائماً يستقبلون النعم بالشكر والحمد والثناء على الله ؛ لجزمهم أنَّها ليست منهم ولا من المخلوقين؛ بل من الكريم الدائم الإحسان ، الذي عمَّ إحسانه الخلائقَ كُلَّهُم ، وكانوا يحبون الخيرَ لبعضهم كمحبتهم لأنفسهم ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : [ لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَ لأخيهِ ما يحبُ لنفسه ](1) . ولعلمهم أنَّ كراهَتَهم لا تُحدِثُ أيَّ تَغَيُّرٍ وقد عرفوا قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس : [ يا غلام احفظ الله يحفظك ](2) .
    وكانوا لا يحبون الشرَّ وأهله وينهون عنه ويَنْأَوْنَ عنه . وكانوا يراقبون مولاهم دائماً ؛ ويعلمون أنَّه يعلم سِرَّهم ونجواهم ، وأنَّه أحاط بكلِّ شيءٍ علماً ، فلهذا كانوا إذا قالوا أو فعلوا ؛ تحرَّوْا ما يرضيه جلَّ وعلا فيما يقولونه ويفعلونه . وهكذا كانوا إذا أرادوا أنْ يتحركوا أو يسكنوا باستشارة ما وهبهم الله من العلم الديني يتحركون ويسكنون . لهذا كانوا لليوم موضعَ إعجابٍ ، ونالوا فوق هذا رضى ربِّ العالمين ، هكذا كانوا ببركات ما وهبهم مولاهم من العلم الديني والتمسك به تماماً .
    وكانوا أزهد الناس في الدنيا لأنَّهم يعلمون حقارتها وسُرعة زوالها ، وكثرة همومها وغمومها ، وإشغالها عن طاعة الله ، ولذلك كان الناس يقدرونهم ، ويضربون بهم الأمثال .
    وأنت ترى أنَّه على قدر قناعة العلماء في الدنيا تكون مكانتهم في نفوس الناس والتفافهم حولهم والاستماع لنصائحهم والانقياد لإرشاداتهم ، والرجوع إليهم فيما يُشكلُ عليهم . وعلى قدْرِ تعلُّقِ العلماء بالدنيا وتوجههم إليها تكون زهادة الناس في العلماء ، وعدم الثقة بهم ، واتهامهم والنفرة منهم ، وأكل لحومهم ، وعدم قبول كلامهم ، وإرشادهم ونصائحهم ، فلا يسمعون لهم قولاً ، ولا يُعَوِّلونَ فيما يجهلونه ، ويحرصون على البعد عنهم ويَسْتَثْقِلونَهم ، والسبب الوحيد كما عَلِمْتَ أولاً هو التعلقُ بالدنيا ضدَّ ما عليه السلف الصالح"(3) .
    هذا وأسأل الله العظيم لي ولكم أن يرزقنا العلم النافع المثمر للعمل الصالح ، وأن يجعلني وإياكم ممن يترسم خطى سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وأن يجعلنا جميعاً من العاملين بعلمهم ، وأن يرزقنا حياة سعيدة مطمئنة تحت ظل ( لا إله إلا الله ) ، وأن يجعلنا جميعا ممن يهتدي بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويتمسكبها حتى يلقاه تبارك وتعالى ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتبه
أبو حمود هادي محجب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) متفق عليه .
(2) أخرجه الترمذي وقال حديث حسنٌ صحيح .
(3) ما بين علامتي التنصيص انظر موارد الظمآن لدروس الزمان ( 1 / 89 - 90 ) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




تابع القراءه »

وأن تصبروا خيرٌ لكم ..

0 التعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ لله ؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسئيات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليماً كثيراً .
   [ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢ ](1) ، [ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١ ](2) ، [ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا ٦٩ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١ ](3) ، أما بعد :
   فإنَّ أصدقَ الحديث كتاب الله ، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم ، وشرَّ الأمور محدثاتها ، وكلَّ محدثة بدعة ، وكلَّ بدعة ضلالة ، وكلَّ ضلالة في النار .
    وقد لوحظ هذه الأيام أنه قد كثر الكلام عن الزواج بين إخوة غالبيتهم لا يستطيعون طولاً ولا باءة ، فلا هم تزوجوا حرة مؤمنة ، ولا وجدوا أمة محصنة مؤمنة ، ولا هم صبروا أو صاموا ، وهذا خلاف التوجيه الرباني الكريم والإرشاد النبوي العظيم .
    وكان الأولى بهم أن يجتمعوا على علم شرعي يتذاكرونه بينهم ، وأن يكثروا من مذاكرة العلم الشرعي ، فإنَّ الإجتماع على مذاكرته خير لهم . وترك الخوض في كثير من المباحات دأب السلف الصالح رضي الله عنهم .
    فإني أذكر كلَّ أخٍ لا يستطيع طولاً ولا باءة بقول الله تبارك وتعالى : [ وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥ ](4) .
    قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله : [ أي : ومن لم يستطع الطول الذي هو المهر – قلت والقائل أبو حمود عفا الله عنه : والطول هو الغنى والسعة والجدة - لنكاح المحصنات ، أي : الحرائر المؤمنات ، وخاف على نفسه العنت ، أي : الزنا أو المشقة الكثيرة ، فيجوز له نكاح الإماء المملوكات المؤمنات . وهذا بحسب ما يظهر ، وإلا فالله أعلم بالمؤمن الصادق من غيره ، فأمور الدنيا مبنية على ظواهر الأمور ، وأحكام الآخرة مبنية على ما في البواطن .
    [ فَٱنكِحُوهُنَّ ] أي : المملوكات [ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ ] أي : سيدهنَّ ، واحداً ، أو متعدداً .
    [ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ ] أي : ولو كنَّ إماءً ، فإنَّه كما يجب المهر للحرة ، فكذلك يجب للأمة . ولكن لا يجوز نكاح الإماء إلَّا إذا كنَّ [ مُحۡصَنَٰتٍ ] أي : عفيفات عن الزنا ، [ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰت ] أي : زانيات علانية ، [ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَان ] أي : أخلاء في السر .
    فالحاصل أنه لا يجوز للحر المسلم نكاح أمة إلا بأربعة شروط ذكرها الله : الإيمان بهنَّ - قلت والقائل أبو حمود عفا الله عنه : مراد الشيخ السعدي رحمه الله أي فيهنَّ بأن يكنَّ مؤمنات بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره - ، والعفة ظاهراً وباطناً ، وعدم استطاعة طول الحرة ، وخوف العنت ، فإذا تمت هذه الشروط جاز له نكاحهنَّ .
    ومع هذا فالصبر عن نكاحهنَّ - قلت والقائل أبو حمود عفا الله عنه : أي عن نكاح المملوكات - أفضل ، لما فيه من تعريض الأولاد للرقَّ ، ولما فيه من الدناءة والعيب .
    وهذا إذا أمكن الصبر ، فإن لم يمكن الصبر عن المحرم إلَّا بنكاحهنَّ وجب ذلك ، ولهذا قال : [ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥ ](5) ا.هـ .
    قلت – والقائل أبو حمود عفا الله عنه - : ولتتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ يا معشر الشباب ؛ من استطاع الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فهو له وجاء ](6) .
    وهذا توجيه نبوي كريم لمعشر الشباب من الأمة ؛ لمن استطاع الباءة ؛ فما المراد بالباءة ؟ .
    قد يظن البعض أنَّ المراد بها القدرة الجنسية فقط حسب المتبادر لبعض الأذهان ، والصواب في هذا أنَّ الباءة فسرها أهل العلم من المحدثين على معنيين ، كلاهما عندي يشملهما معنى الباءة في الحديث .
    فقد قال الخطابي : المراد بالباءة النكاح ، وأصله الموضع يتبوؤه ويأوي إليه . وقال النووي : اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما : أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع ، فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤنة النكاح فليتزوج ، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء .
    قلت – والقائل أبو حمود عفا الله عنه – والوجؤ في اللغة هو دقُّ عروق خصيتي الفحل بين حجرين أو رضِّهما حتى ينفضخا ، فلا يستطيع بعدها النزو على الإناث . ومن هنا شبه النبي صلى الله عليه وسلم الصوم بالوجاء لمعشر الشباب لقطعه شهوتهم وتخفيفها وإضعافها .
    قال النووي : والقول الثاني : إن المراد بالباءة مؤنة النكاح سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤنة النكاح فليتزوج ، ومن لم يستطع فليصم ، قالوا : والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن .
    وقال القاضي عياض : لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان فيكون المراد بقوله من استطاع الباءة أي بلغ الجماع وقدر عليه فليتزوج ، ويكون قوله : ومن لم يستطع - أي لم يقدر على التزويج وقيل الباءة بالمد القدرة على مؤن النكاح وبالقصر الوطء(7) .
    وقوله صلى الله عليه وسلم : [ فإنَّه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ] : تقديم غض البصر على إحصان الفرج فيه تنبيه على أهم سبب يكون مهيجاً للشهوة المتوقدة التي قد تودي بالفرج إلى ما حرم الله تعالى من مواقعة الشاب لفرج لا يحل له عياذا بالله ، لأنَّ النظر إلى ما حرم الله فيه تهييج للشهوة ، كالنظر إلى امرأة لا تحل له أو ليست من محارمه . أو إدامة النظر إلى صور النساء الكاسيات العاريات أو حتى السافرات عن وجوههنَّ لأنَّ الوجه لا شكَّ أنَّه محل الفتنة قبل الجسد .
    ولابد من مداومة الصوم ، فقد لا يحصل المراد به من كسر الشهوة وإضعافها إلَّا بعد مدة من متابعة الصوم ومداومته .
    قال الحافظ – رحمه الله - : [ قوله : فعليه بالصَّوم فإنَّه له وِجَاءٌ ، مقتضاه أنَّ الصَّوم قامعٌ لشهوة النكاح ، واسْتُشْكِلَ بأنَّ الصَّوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك ممَّا يُثير الشَّهوة ، لكنَّ ذلك إنَّما يقع في مبدأ الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك ، والله أعلم ](8) ا.هـ
    وقد يكثر كثيرٌ من الشباب من الصوم ولكن لا يجدون أثراً للصوم على شهوتهم ، ومردُّ ذلك إلى عدم خلو صومهم من الموانع التي تحول دون تخفيف الشهوة .
    فمنها قوة الشهوة لدى كثير من الشباب ، وخاصة تلك التي لا يلجمها صاحبها بلجام التقوى وخشية الله تبارك وتعالى .
    ومنها عدم الصبر عن معصية الله تبارك وتعالى ، لقوله تعالى : [ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥ ] .
    ومنها النظر إلى المحرمات من النساء ، واعتياد أماكن الإختلاط كالأسواق وغيرها دون حاجة أو ضرورة .
    فإنَّ للنظر ومداومته أثرٌ في تعلق القلوب بالمنظور ، ولابن قيم الجوزية - رحمه الله - كلامٌ نفيس حول هذا يطول المقام ببسطه هنا ، فليراجع في محله(9) .
    ومنها كذلك الإكثار من تناول المهيجات من الأطعمة والمشروبات ، كاللحوم وبعض الأكلات المليئة بالدهون والمليئة بالفسفور كالأسماك والربيان التي تهيج الشهوة على الشباب ، وخاصة وقت الإفطار ووقت السحر ، فإنَّ من تغلبه شهوة الأكل في هذين الموضعين خيفَ عليه من أن تغلبه شهوة الفرج عياذا بالله .
    وكثير من السلف كان لا يجد وقت فطره أو سحوره إلَّا تمرات أو جرعات من الماء ، أو رغيفاً أو نصف رغيف يسد به حاجته . أما في زمننا هذا فإنَّ الموائد يتكلف فيها ما لو جمع لسد حاجة كثير من فقراء المسلمين .
    كذلك مما يكون حائلاً لكسر الصوم شهوة الشباب الفراغ عن العمل ، فإنَّ البطالة مما تجلب الفساد على الشاب في دينه ودنياه ، وقد قال الشاعر :

إنَّ الشباب والفراغ والجدة .. مفسدة للمرء أيُّ مفسدة

    هذا وأسأل الله تبارك وتعالى أن يسهل الزواج لكل مسلم طلبه إحصانا لفرجه وغضاً لبصره ، كما أسأله تعالى أن يعين كلَّ من لم يستطع طولًا على الصبر والصيام الذي يحدُّ من شهوته ويضعفها حتى ييسر الله له الزوجة الصالحة .
    هذا والله أعلم ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .


كتبه / أبو حمود هادي محجب

13/ 10 / 1436هـ


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) [ آل عمران : 102 ] .
(2) [ النساء : 1 ] .
(3) [ الأحزاب : 70 ، 71 ] .
(4) [ النساء : 25 ] .
(5) تيسير الكريم الرحمن ، ص174 .
(6) متفق عليه .
(7) انظر نيل الأوطار للشوكاني .
(8) انظر فتح الباري ( 5 / 238 ) .
(9) انظر كتاب روضة العاشقين ونزهة المحبين لابن قيم الجوزية رحمه الله .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





تابع القراءه »

شيخ الإسلام ابن تيمية المفترى عليه ..

0 التعليقات
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله ؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
    فأسوق لكم أيها الإخوة قصتان عجيبتان فيهما من العبر والفوائد الشيء الكثير لعل الله أن ينفعني بهما ومن قرأهما ، فهذه الدنيا لا تخلو من تنوع الناس في أهوائهم وأفكارهم ومفاهيمهم واختلاف مشاربهم وقلوبهم ، فمنهم من يريد الحق ومنهم من يتعسر عليه ومنهم تأخذه العزة بالإثم ومنهم من يصعب عليه قبول الحق ومنهم من يبغض الحق وأهله إذا تعارض مع هواه .
    وكذلك منهم من ابتلي بالغلو ومنهم من ابتلي بالتعصب ، نسأل الله تبارك وتعالى السلامة والعفو والعافية .
    مدار هاتين القصتين على رجل واحد قلَّ أن تجد له مثيلاً في عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
    من منا لا يعرف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ؟! . كل خليقة الله من المسلمين ممن عاصروه ومن بعدهم على اختلافهم بين متابع ومخالف يعرف من هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . هذا العالم الذي أدهشني علمه وصبره وثباته على الحق ، حتى بت أرى أن ما ذكر عنه من وصف في العلم بالبحر لا يخطئ أبدا .
    إلا أنه بقي المعنى اللغوي للوحي ثابت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . كيف لا وقد أوحى الله إلى أم موسى وأوحى إلى مريم وأوحى إلى النحل بمعنى ألهمهم . وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ممن ألهمه الله الإدراك والمعرفة منذ صغره ، فقد أسلم على يده يهودي كان يعترض طريقه كل يوم وهو في طريقه إلى الكتاب في صغره ، ليلقي عليه الشبهة تلو الأخرى ؛ فكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرد على شبه ذلك اليهودي بما يبطلها ، ومع تكرار ذلك يومياً أسلم ذلك اليهودي .
    شيخ الإسلام رحمه الله ذاع صيته في حياته مع انتشار رسائله ومؤلفاته وفتاواه التي حملتها الركبان إلى الآفاق ، حتى ضربت له أكباد الإبل من أقطار الإسلام كافة . وصار طلاب العلم يحرصون على الالتقاء به كلما نزل قطراً من أقطار الأرض .
    وفي ذات مرة سافر شيخ الإسلام إلى مصر ونزل عند أبي حيان الأندلسي عالم النحو والمفسر المعروف قبل انحرافه عن الحق ، وكان أبو حيان يمدح شيخ الإسلام ويذكر محاسنه وجهاده في الدفاع عن السنة ، حتى أنه كتب فيه قصيدة يمدحه ويثني عليه وعلى دفاعه عن السنة والعقيدة السلفية ، فقال :
لما رأينا تقي الدين لاح لنا ... داعٍ إلى اللَّه فرداً. ماله وزرُ
على محياه من سيما الأولى صحبوا ... خير البرية نورٌ دونه القمرُ
حَبْر تسربل منه دهره حِبَراً ... بحر تقاذفُ من أمواجه الدررُ
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ... مقام سيد تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضرُ
فأظهر الدين إذْ آثاره دَرَسَت ... وأخمد الشرك إذ طارت له شررُ
كنا نُحدَّثُ عن حبر يجيء فها ... أنت الإمام الذي قد كان ينتظرُ
    فلما التقيا تذاكرا في مسألة في النحو ؛ اختلفا فيها ، فاستشهد أبو حيان بقول سيبويه في كتابه ، فرد عليه شيخ الإسلام بقوله : وهل سيبويه نبي النحو ؟! ، وبين شيخ الإسلام رحمه الله – لأبي حيان أنَّ سيبويه قد غلط في ثمانين موضعا في كتابه لا تعلمها أنت ولا سيبويه .
    فماذا وقع بعد هذه المناظرة بينهما ؟! .
    قام أبو حيان من فوره وقد أخذته العزة بالإثم ، ناقماً على شيخ الإسلام معاديا له هاجياً إياه ، نسأل الله العافية والسلامة ، ثأراً لنفسه كيف يخطئه ابن تيمية وهو إمام في النحو .
    فذمه بقصيدة وهجاه .
    والقصة الثانية طرف كذلك فيها ابن تيمية وأما الطرف الثاني فهو معاصر أراد الحق فوفقه الله إليه ، وهو الشيخ محمد بن خليل هراس رحمه الله وغفر له .
    حيث أنه كان قد عزم على دراسة كتب شيخ الإسلام للرد على عليه بتأييد ومباركة من مشايخه في الأزهر آنذاك كما هي عادة الأزهريين في المنطق وعلم الكلام .
    وبعد هذه المدة خرج برسالة دكتوراة يدافع فيها عن الحق الذي وجده في كتب شيخ الإسلام رحمه الله وبين أنه ما عرف عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم كما هي صحيحة إلا بعد أن قرأ كتب شيخ الإسلام رحمه الله .
    ولازلنا إلى اليوم ونحن نرى أنهار حسنات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما بين مستفيد من علومه ، وبين شاتم له وحاقد عليه .
    فما أعظمها من نعمة حين يريد الله بعبد من عباده المسلمين أن يبتلى في دينه وعقيدته فيصبر ويحتسب ، وتكون له العاقبة في الدارين ، حتى بعد مماته رحمه الله ، وأجره لا زال يجري حتى على لسان شانئيه ، ومن يكذب عليه حتى بعد مماته ، ومن أولئك الذين كذبوا عليه وافتروا ابن بطوطة عليه من الله ما يستحق . وكذلك حسن السقاف عجل الله بانتقامه منه وجعله عبرة لكل من تطاول على عباد الله الصالحين وعلى أولياءه .
    الذي صرح بتكفير شيخ الإسلام ابن تيمية ، وما هذا إلا امتداد لأسلافه الصوفية ، الذين تجرعوا علقم مناظراتهم لشيخ الإسلام رحمه الله ، فكادوا له عند سلاطين لم يكونوا على كفاية بمعرفة الحق في عقيدة السلف ، فسجن رحمه الله ، وبعد موته في سجنه أظهر الله علمه وأحياه من جديد على يد المجددين من علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم السلفيين ، فأحيوا ما اندرس من علم شيخ الإسلام رحمه الله الذي بقي متفرقا في الأمصار وهيأ الله له من يجمعه ويبثه في الخلق من جديد حتى بلغ ملايين البشر من المسلمين ، فهبت رياح المكفرين لشيخ الإسلام ابن تيمية من جديد لمعرفتهم بأن صاحب هذه العلوم والمؤلفات كان يوماً من الأيام السبب في فضحهم وبيان قبح عقائدهم لما فيها من ضلالات وانحرافات شتى .
    وأخيرا ؛ تذكر أيها المسلم أن صولة الباطل إلى زوال وإن طال أمدها ، وأنَّ الله ناصر دينه ومعلٍ كلمته على يد أوليائه .
    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

كتبه / أبو حمود هادي محجب

١ / ٩ / ١٤٣٦هـ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






تابع القراءه »

إني امرؤ صائم ..

0 التعليقات
بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
    فإنني أنهى نفسي وأنهى إخواني عن إضافة النساء على لائحات الصداقة فالفتنة بهن عظيمة ، فالنساء أول فتنة بني إسرائيل كما أخبر صلى الله عليه وسلم . ونهانا النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول عليهن .
    واليوم أرى وسائل التواصل الاجتماعي قد فتحت الصداقة بين الجنسين فباتت ممن يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا نسأل الله السلامة والعافية . واليوم فتحت على صفحتي ووجدت طلب صداقة من امرأة أسأل الله العافية والمغفرة فرفضت الطلب ، وأعرضت عنه .
    لذلك أيها الأخ السلفي إن لم تكن حازما في أمرك صارما مع نفسك مالت بك إلى السوء الذي تأمرك به وأنت في رمضان وغيره من الأشهر إن لم تقدها بخطام التقوى والورع ذهبت بك كل مذهب سقيم ، ورتعت بك مرتع وخيم ، فعليك بتقوى الله تبارك وتعالى فهي رأس مالك في هذه الحياة الدنيا ، كما قال تعالى : ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) .
    فاللباس نوعان لباس حسي وهو ما أعده العبد سراويل وأثواب وبرانس وعمائم لستر العورة وجوبا وما اتخذه للزينة إباحة . ولباس معنوي وهو ما تجمل به العبد من إيمان وتقوى وخشية لله وورع وأخلاق فاضلة تحمله فعل كل معروف وترك كل منكر ، تحمله على كل ما من شأنه أن يجعله عدلا عند الناس مرضي السيرة .
    وإن زلت به القدم يوما من الأيام - وهذا طبع ابن آدم - فعليه أن يرجع إلى الله تبارك وتعالى وليتب إليه توبة نصوحاً ، تجب ما قبلها فإن الله تبارك وتعالى يفرح بتوبة عبده ورجوعه إليه .
    فالحذر الحذر أيها الأريب اللبيب ، والفطن النجيب ، فهذا مراد أعداء الله انتشار الصداقة بين الجنسين ومن ثم إشاعة الفاحشة بينهم بكل وسيلة ممكنة نسأل الله العافية والسلامة .
فكن كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
    ومع بداية شهر رمضان أحب أن أتوجه بالنصح لنفسي ثم لإخواني السلفيين وفقهم الله ، بوجوب مراعاة حرمة هذا الشهر المبارك على وجه الخصوص ، وأن نبتعد عن كل ما يعيب في طالب العلم وخاصة الإكثار من المزاح ووضع ما لا فائدة فيه ترجى كصور الأكل وخلافها ، علما أن شهر رمضان إنما شرع لعبادة الله تبارك وتعالى ولحكمة التقوى . وليس للتفنن في إعداد الموائد والأطباق والأطعمة على اختلافها .
    فلنبتعد عن المزاح الذي ربما أنه قد يفضي بصاحبه إلى الصخب والرفث في صومه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، ورب قائم حظه من قيامه السهر ) .
    وتذكروا مقولة : ( إني صائم ) ، فإنها جملة من كلمتين ، بيد أنها حوت معان عدة وفوائد جمة قل أن يحويها كتاب ، كيف لا والقائل لها هو من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم .
   وأخيراً ؛ فإن طالب العلم لابد له من وصل ليله بنهاره في الطلب الجاد والسعي الحثيث لتحصيل العلوم ، وبذل الجهود تلو الجهود لحيازة شيء من العلم يرفع به الجهل عن نفسه وعن غيره ممن يحتاجون إلى الدعوة إلى الحق ، ويدافع به عن دين الله تبارك وتعالى وعن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
    أما أن يظل طول وقته على المهاترات وضياع الأوقات ، ويقول هو سلفي هو سني ، وهو لم يدر أصول عقيدته وفروع فقهه على وفق الكتاب والسنة ، فهذه سلفية العوام وصاحبها عرضة لأخطار الشبهات والشهوات .
    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

كتبه / أبو حمود هادي محجب


١ / ٩ / ١٤٣٦هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





تابع القراءه »

حديث السفينة . . .

0 التعليقات

    عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - عن النبي r ، قال : ( مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا ؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا ، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ ، فَقَالُوا : لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا ، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ) رواه البخاري .

    غريب الحديث :
    القائم على حدود الله : الآمِر بالمعروف والناهي عن المنكر .
    استهموا على سفينة : اقترعوا على الأماكن فيها .
    أخذوا على أيديهم : منعوهم من أن يخروقوا فيها .

    المعنى الإجمالي :
    صنف النبي r الناس في المجتمع من خلال هذا الحديث الشريف إلى ثلاثة أصناف ، أولهم : المستقيم على حدود الله تعالى الذي لم يتجاوزها ، وهو الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ، وثانيهم : التارك للمعروف المرتكب للمنكر ، وثالثهم : المتباطئ عن دفع المنكر والنهي عنه .
    وهذه الأصناف الثلاث حالها كحال ركاب سفينة أخذ كل منهم مكانه عليها بالقرعة ، فكان من في الأسفل يرغبون بالصعود إلى أعلى السفينة ليأخذوا منها الماء ، حيث إن هذا التصرف من وجهة نظرهم يسبب ضررًا لغيرهم ؛ لذا أرادوا أن يفتحوا فتحة في نصيبهم تمكنهم من أخذ حاجتهم من الماء دون إيذاء غيرهم ، فإن تركوهم وما أرادوا من تخريب السفينة بالخرق ، فإنهم سيهلكون جميعًا ، سواء من سكن في الأعلى أو من سكن في الأسفل ، وذلك لأنه بخرق السفينة تغرق هي ومن فيها .
    وفي ذلك دلالة على أن الناس إن منعوا الفاسق عن فسقه ، نجا ونجوا معه ، وإن تركوه يفعل المعصية ولم يردعوه ، نزل بهم عذاب الله تعالى وهلكوا جميعاً ، يقول سبحانه : ]وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةً لَا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةً[ [ الأنفال : 25 ] ، وهذا ما أكده النبي r حينما سُئل : ( أنهلك وفينا الصالحون ؟ ، قال : نعم ؛ إذا كثُر الخبث ) . رواه البخاري .
    كما أن هذا الحديث الشريف يُقرر سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في الكون ، وأصلا من الأصول العظيمة ، وهو تكافل أفراد الأمة وتضامنهم ، وتعاونهم في سبيل تثبيت دعائم الحق والخير والفضائل ، والقيام على حراسة هذه الأصول والقضاء على أهل الباطل والشرور والرذائل ، وإلا فلا قيام لحق ، ولا استقرار لفضيلة ، ولا دوام لعزة وسلطان .

    فقه الحديث :
    تضمن هذا الحديث الشريف تشبيهاتٍ ثلاث :
    الأولشُبِّهَت فيه أحكام الشريعة الغراء في حفظها لسلامة المجتمع وكفالتها لأمنه وطمأنينته بالسفينة التي تمخر عباب اليم ، وتقطع براكبيها أجواز البحار في أمن ودعة وسلامة من المخاطر ؛ متى سددوا قيادها ، وأحسنوا تصريفها .
    فكذلك الشريعة السمحة : يخوض القائمون على حدودها معترك الحياة ، ويجتازون مضايقها ، وهم في أمن من الأخطار ، ومَنجاة من الزلق والعثار .
    الثانيتشبيهُ القائمين على حدود الله ، وهم الذين يُحلُّون الحلال ويُحرِّمون الحرام ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويتولَّون قيادة الأمة وتوجيهها بمن يركبون أعلى السفينة ، وفي ذلك إشارة إلى علو مراتبهم ، وعظيم مكانتهم ؛ كما أن الراكبين في أعلى السفينة لهم العلو الحسي والمكان الرفيع .
    الثالثتشبيه الواقعين في الحدود والمنتهكين لها بِـمَن أصابوا أسفل السفينة ؛ إشارة إلى انحطاطهم بهذه الفعال .
    ومن روعة التمثيل ؛ تمثيل المجتمع بالسفينة العائمة في خِضَمٍّ واسع عميق عرضَة للأعاصير الهوجاء ، والأمواج المتلاطمة المتدافعة .
    وما أدق التمثيل وأروعه !! فالمجتمع في الحقيقة عرضة للتأثر باختلاف الأهواء والأغراض ، وتباين النزعات والاتجاهات ، واصطراع الأفكار والآراء ، وأي تفريط من أهلها يؤدي بالسفينة إلى الغرق والغوص في متاهات الأعماق ، وكذلك المجتمع : أي خطأ في الحساب والتقدير أو إفراط أو تفريط في التصرُّف ، قد يؤدي به إلى الهلاك والانحطاط والذل والتخلف أحقابًا من الزمان .
    هذا إلى ما في التمثيل بالسفينة من بيان الحساسية البالغة ، وحتمية التأثر بما يجري حولها ، وفوقها ، وفيها .
    وكذلك مثّل أفراد المجتمع برُكَّاب السفينة ، وربط حياتهم ببقائها ، وهلاكهم بهلاكها ؛ ولِـهَذا من التأثير النفسي ما له في الحفاظ عليها ، والتضحية بكل شيء في سبيلها ، ومن ذا الذي لا يرغب في الحياة ولا يكره الهلاك ؟! فكما أن ركاب السفينة يحرصون على سلامتها ؛ لارتباط حياتهم بحياتها وسيرها ؛ فكذلك أفراد المجتمع يجب أن يحرصوا على مجتمعهم حرصَهم على حياتِهم .



الإدارة . . .

تابع القراءه »

من البلاء عدم العمل

0 التعليقات
    قال الشيخ ربيع المدخلي رحمه الله :

    من البلاء: عدم العمل بالعلم، يتعلم لكن لا يعمل، والله يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف:٢–٣].
    فإذا كنت عالماً وتبلغ العلم فلتكن أول من يبادر قبل الناس جميعاً إلى تطبيق ، والعمل به خالصاً لله – تبارك وتعالى – تعمل به ظاهراً وباطناً ، وفي الباطن أكثر من الظاهر، وقد يتخفى المؤمن ببعض أعماله ، ويكون باطنه أصلح من ظاهره.
عدم العمل بالعلم – والعياذ بالله – يؤثر على العلم ، وينسى صاحبه كثيراً من الأشياء التي لو طبقها وعمل بها لما نسيها ، فكثير من المعلومات لا يتثبتها في قلب العالم والمتعلم إلا التطبيق العملي ، مثل الفرائض ، الفرائض من العلوم التي تنسى ، ينساها طلاب العلم والعلماء إلا من مارسها ، وعمل بها دائماً فالعلم ينسى إذا لم تعمل به.
    ثم الأشد من هذا : أن الله – تبارك وتعالى – يذم من لا يعملون ذماً شديداً – والعياذ بالله –: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ*َلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } [الأعراف:١٧٥ – ١٧٦].
    فهذا عدم العمل أوقعه في الكفر بالله – تبارك وتعالى – عدم العمل. وعدم الاحترام لهذا الوحي وهذا العلم الذي تضلعت به عدم الاحترام له، وعدم تطبيقه يجرك إلى البدعة ، وقد يجرك إلى الفسق وقد يجرك إلى الكفر، فهذا كان عالماً مبرزاً لكنه انسلخ من العلم بسبب عدم العمل الذي كلفه الله – تبارك وتعالى – به .
فالكثير من الناس لا يعملون، فقد يجره عدم العمل إلى الوقوع في الفسق، لأنه ما يعمل، { كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ } [الصف:3] والعياذ بالله، قد يجره إلى الوقوع في البدع والضلالة، قدتكون البدعة التي يقع فيها كفرية، قد يقع في الكفر مباشرة - والعياذ بالله- .
    فمن معوقات العلم وما يذهب بالعلم: عدم العمل بما تعلم، فعلينا أيها الطلاب أن نعمل بما تعلمناه، فالعلم الصحيح هو الذي يزكي النفوس، كيف تزكى نفس لا تعمل؟!.
    كيف تطهر من أدناس الصفات الذميمة الباطنة، ومن الصفات السيئة الظاهرة من سوء الأخلاق، من الكِبْر، من الحسد، من .. من .. من التهالك على الدنيا، من الرياء؟ كل هذه الأشياء تنشأ عن عدم تطبيق العلم، عندك علم لأي شيء ترائي والعلم يحثك على الإخلاص لله؟!.
    يقول لك ربك – تبارك وتعالى –: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [البينة:٥].

    وكم ذم الله اليهود والنصارى لأنهم لا يعملون؟ وضرب مثلاً سمعتموه لعالم من علماء بني إسرائيل، وقال الله فيهم: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [الجمعة:٥].
    حملوا التوراة وما عملوا بها، أوصلهم هذا إلى الكفر بالله – تبارك وتعالى –، لو عملوا بما في التوراة لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولعملوا بالتوراة التي أنزلها الله على موسى – عليه الصلاة والسلام –، لكن لم يعملوا بما في التوراة ولم يعملوا بما في الإنجليل ولما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم كذبوه، إذن هم تركوا العمل بالعلم الذي أوحاه الله إلى بني إسرائيل، إلى موسى وعيسى – عليهما الصلاة والسلام –، فشبههم الله هذا التشبيه: مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، الحمار لا يميز ما فوقه من خير ومن شر، فالحمر لا تدري أنها تحمل حيات على ظهرها أو كتب، ما تدري.
    وكذلك الذي لا يعمل فهذا مَثَلُه، فعلينا بالعمل، علينا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام على الأوجه المشروعة التي شرعها الله تبارك وتعالى علينا بالاعتقادات الصحيحة كما شرعها الله لنا، الاعتقادات الصحيحة، نتجنب الشرك ، نتجنب البدع ، وهذا من العمل ، نتجنب المعاصي بكل أشكالها وأصنافها.
    نعمل بما علمنا الله – تبارك وتعالى –، نعتقد الاعتقادات الصحيحة نحارب الشرك، نحارب البدع كلها، نأمر بالمعروف، ننهى عن المنكر، كل هذا تأتي في دائرة العمل، وبقدر ما تقصر في العمل في أي ميدان من الميادين بقدر ما ينقص منك العلم، وبقدر ما تنال من الذم الذي يستحقه من ترك العمل بما علمه الله تبارك وتعالى.


[من كتاب مرحباً يا طالب العلم من صفحة ٢٢٤]

منقول من شبكة سحاب






تابع القراءه »

المقالات

   البلاغة العربية نشأتها وصلتها بعلوم الشريعة والعربية    همسة في صماخ الأستاذ علي حملي    إشباع النهم ببيان أقسام تعلق الكلم    الشيخ محمد أيوب رحمه الله سيرة وعطاء    التوحيد هو أعظم الأمور وأهمها    البيان والارتجال في الخطابة والوعظ والمقال    العلم الشرعي وأثره في حياة سلفنا الصالح    الأخوة الإيمانية عند حسام العدني    دولة فاحش والحرب على الإسلام بالوكالة وتفجيرات باريس


Flag Counter

التصفح المباشر

مواقع سلفية

   مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية    مكتبة أبي حمود العلمية